حرمان المواطنين من مختلف الفرص والخدمات الأساسية  بسبب استغلال آخرين لعلاقاتهم الشخصية

حرمان المواطنين من مختلف الفرص والخدمات الأساسية  بسبب استغلال آخرين لعلاقاتهم الشخصية

يُعتبر استغلال العلاقات الشخصية في البلدان العربية، أو ما يُعبّر عنه بالواسطة، مُمارسة منتشرة ومُتعارف عليها اجتماعيا. إذ يستغل مختلف الأشخاص علاقاتهم الأسرية أو الاجتماعية لعدم الوقوف في الصف وللوصول على نحو أسرع وأفضل إلى المدارس أو الجامعات أو المستشفيات أو الوظائف، و"لتعجيل" الإجراءات الإدارية في المؤسسات الحكومية مثل تجديد وثائق الهوية أو شهادات الميلاد.  وتعتمد عادة سرعة حصولك على الخدمة وجودتها على الشخص الذي تعرفه؛ فبطبيعة الحال، كلما كان في منصب أعلى كان ذلك أفضل لك.

"الواسطة أصبحت نمط عيش. فأنت تحتاج إلى واسطة للدخول إلى سوق العمل، تحتاج إلى واسطة للحصول على ترقية، تحتاج إلى واسطة للدخول إلى أماكن مُعيّنة، تحتاج إلى واسطة لتقبلك الجامعة بل تحتاج إليها حتى لتحصل على سرير في المستشفى. أظن أننا سنحتاج إلى الواسطة حتى في يوم القيامة."

- رامي (35 سنة)، مقابلة مع مجلة  Vice

نتائج مقياس الفساد العالمي

في إطار مقياس الفساد العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سألنا المواطنين عن آرائهم بشأن الفساد والرشوة وتجاربهم المباشرة في هذا الصدد. وللمرة الأولى، سألنا المستجوبين في الأردن ولبنان وفلسطين هذا العام عن تجربتهم مع الواسطة.

وأظهرت النتائج أن قرابة ثلث السكان استغلوا علاقاتهم الشخصية لتلقي خدمات أساسية في هذه البلدان. وسُجلت أعلى معدلات الواسطة في لبنان بنسبة 54 في المائة وتليها فلسطين بنسبة 39 في المائة والأردن بنسبة 25 في المائة.

وفي حين تبقى معدلات الرشوة أدنى من ذلك في الدول الثلاث، غالبا ما تكون الرشوة مرتبطة بالواسطة والعكس صحيح، حيث أفاد نصف الأشخاص الذين استخدموا الواسطة بأنهم أيضا قد دفعوا رشوة.

حيث كانت المحاكم والمرافق العامة، مثل مرافق الكهرباء والماء، من أهم المؤسسات التي يكثر فيها احتمال استغلال المواطنين لعلاقاتهم الشخصية. وفي الأردن ولبنان وفلسطين، استعان بالواسطة شخص من بين ثلاثة أشخاص استخدموا المرافق العامة وخدمات المحاكم للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها.

وهذا يبلغ هذا المعدل ذروته في لبنان، حيث استخدم 65 في المائة من المواطنين الواسطة في تعاملاتهم مع المحاكم.

 الضرر الناجم عن الواسطة

 تُشكّل المُحاباة التي تظهر في شكل واسطة خطرا حقيقيا على المساواة الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. فهي مشكلة هيكلية: ففي حين يرى العديدون أن الواسطة هي السبيل الوحيد للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، غالبا ما تكون لهذه الممارسة تداعيات وخيمة على حياة الناس، إذ تضع صحتهم وأمنهم الاقتصادي على المحك وتُقوّض ثقتهم في الحكومة.

 وتُرسّخ الواسطة التذبذب الاقتصادي. فوفقا لتقرير البنك الدولي، يُعاني 54 في المائة من سكان المنطقة الذين بلغوا السن القانوني للعمل من البطالة أو التعطلّ عن العمل، وأعربت أغلبيتهم عن شعورها بالإحباط لأنهم يرون في الواسطة أكبر عائق يحول دون حصولهم على عمل. الأمر الذي أفقد الكفاءة التعليمية والمهارات والخبرة قيمتها أمام العلاقات الاجتماعية غير الرسمية.  ويؤثر ذلك على الشباب بشكل خاص: فحين سئلوا عما إذا كانت علاقتهم بشخص يتقلد منصبا رفيعا أمرا ضروريا للحصول على عمل، أجاب أكثر من 60 في المائة من الشباب بالإيجاب مؤكدين ذلك.

ما هي دوافع المواطنين للجوء إلى الواسطة؟

يقر العديد من سكان المنطقة بالتبعات الوخيمة للواسطة ويرون فيها شكلا من أشكال الفساد، ولكنهم رغم ذلك يواصلون اللجوء إليها. فما اسبب؟ كشفت نتائج مقياس الفساد العالمي عن أن معظم المستجوبين يرون أنهم لم يكونوا ليحصلوا على الخدمات التي يحتاجون إليها لولا لجوئهم إلى علاقاتهم الشخصية، في حين يرى أقل من نصف المستجوبين أن لجوؤهم إلى الواسطة يرجع إلى رغبتهم في الحصول على خدمات أفضل.

وقد أٌجري استطلاع آخر للرأي على المستوى الوطني في الأردن عن الواسطة وأكّدت نتائجه هذه الآراء. وقال أكثر من نصف المواطنين أنهم استعانوا بالواسطة لاستكمال المعاملات الورقية في المؤسسات الحكومية، ويرى 65 في المائة منهم أن الواسطة ضرورية للحصول على عمل.

ما العمل؟

تجريم الواسطة باعتبارها شكلا من أشكال الفساد يُعدّ أول خطوة يجب أن تُتخذ للقضاء على الواسطة والمحاباة ولضمان الحصول على الخدمات الأساسية على قدم المساواة وضمان حقوق جميع المواطنين بصرف النظر عن علاقاتهم الشخصية.

 كما ويُمكن لبرامج الحكومة الإلكترونية وخدماتها أن تساهم في القضاء على استخدام العلاقات الشخصية، خاصة عند محاولة الحصول على جواز سفر أو بطاقة هوية أو شهادات أو غيرها من المعاملات الورقية من المؤسسات الحكومية.

والأهم من ذلك، يتعين على الحكومات أن تعمل مع المجتمع المدني ووسائل الإعلام لإرساء التدابير الرادعة ونشر الوعي بشأن الواسطة ومجابهة الممارسات المُتعارف عليها اجتماعيا. الواسطة ليست وسيلة للمساعدة أو تقديم يد العون، بل هي فساد يحرم المواطنين من الفرص ويُقوّض ثقتهم في الحكومة.

فالواسطة تُشكل مُعضلة هيكلية ويتعين مواجهتها من خلال تدابير تكريس النزاهة، ولكن لا يُمكن لهذه التدابير أن تحقق المنشود منها دون القضاء على الواسطة باعتبارها ممارسة متعارفا عليها اجتماعيا.

وتصف لمياء، وهي شابة من فلسطين تبلغ من العمر 24 سنة، الظلم الذي يتعرض إليه المواطنون جراء الواسطة قائلة: "كانت أسوأ تجربة مررت بها قبل بضع سنوات حين نجحت في امتحان الثانوية العامة وحصلت على درجة 90 (على 100). وكنت واثقة بأنني سأحصل على منحة لأدرس الهندسة في جامعة في فلسطين. وكنت قد استوفيت جميع الشروط المطلوبة للحصول على هذه المنحة. وطال انتظاري للرد بعد أن تقدمت بطلب الحصول عليها. ولم تتمكن أسرتي من دفع رسوم الجامعة، لذا تعين عليَّ أن أعمل وأؤجل دراستي. وفي غضون بضعة أشهر، التقيت إحدى زميلاتي التي درست معي في الثانوية العامة، وكان ذلك في محل الملابس الذي أعمل فيه. وكانت قد حصلت آنذاك على درجة تقارب 60 على 100. وأخبرتني بكل لامبالاة بأنها حصلت على نفس المنحة عن طريق أخت زوجها وأنها درست الهندسة، على الرغم من أن هذا المجال لا يستهويها ولا تُخطط حتى للعمل فيه بعد التخرج. كان موقفا صعبا فعلا، ولم يكن بيدي حيلة سوى أن أذرف الدمع، وظللت أذرفه لوقت طويل وطويل جدا."

وقال محمد، وعمره 29 سنة:

 "لقد تقدمت بطلب للحصول على وظيفة حكومية بعد اكتساب خبرة 10 سنوات من العمل في شركات ووظائف مختلفة. وطلبوا مني أن أخضع لاختبار لتقييم مهاراتي. وكانت معي في نفس الغرفة فتاة تبلغ حوالي 22 سنة من العمر. وأنهيت الاختبار بعد أن أجبت على كل الأسئلة. بعد حوالي أكثر من أسبوعين، أديت زيارة إلى نفس الإدارة لأستفسر عن سبب عدم حصولي على رد وإن كنت قد حصلت على الوظيفة أم لا. ورأيت نفس الفتاة تجلس في أحد المكاتب، وأخبرني أحدهم أن الاختيار قد وقع عليها. وتبيّن أن أحد أقاربها يتقلد منصبا في إدارة حكومية أخرى وتدبّر أمر تعيينها. وبالتالي لم تكن هذه الاختبارات سوى مسرحية.

For any press enquiries please contact press@transparency.org

Latest

Social Media

Follow us on Social Media